الرئيسية » آراء » إذهبوا إلى الحبشة

إذهبوا إلى الحبشة

لسانكم :

مصطفى أمجكال .

من دلالات الهجرة ، هجرة الصحابة رضي الله عنهم بأمر من رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الحبشة بعدما استحكمت سلطة القمع و التعذيب و استطالت في المستضعفين تعذيبا و تنكيلا ، أنها كانت بمثابة انعتاق من قيد ، و خروج من سجن رهيب مخيف ، و لعل أغلب من تطرق لموضوع الحبشة تطرق لها من جانب كون النجاشي كان ملكا عظيما و حكيما و لا يظلم عنده أحد كما جاء في كلام المصطفى صلى الله عليه و سلم ” إذهبوا إلى الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده احد ”
لكن سأحاول من خلال هذه الأسطر القليلة الوقوف يسيرا عند الحبشة و الملك و العدل و الظلم ، و كيف كانت تلك البلاد بهذا المستوى حتى كانت ملاذا آمنا للضعفاء الفارين من الظلم و الاستبداد .

تروي أم سلمة رضي الله عنها ” لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنّا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نلقى أذى، ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً اشتد بهم السخط، وتآمروا على أولئك المهاجرون الأول، وعمدوا إلى النجاشي ورجال دولته من البطارقة ليحملوهم على تسليم هذا النفر ممن لجأ إلى بلادهم من المسلمين.” من سيرة ابن إسحاق .

لقد كانت الحبشة معقل النصرانية و ذات وزن كبير بين كنائسها ، و كان النجاشي ملكا ذا هيبة و حكمة و عدل ، فكان الناس في عهده آمنين مطمئنين على عقائدهم و عباداتهم حتى من آوى إليه بدين جديد و لم يدخل في النصرانية ، فقد تساءل النجاشي في حواره مع الصحابة عن السبب الذي جعلهم لم يدخلوا في دينه بعدما دخلوا بلاده و استشعروا الأمن و الأمان ؟ فكان الحوار الذي يعرفه الجميع .

لعل وقفة متأنية مع حدث الهجرة إلى الحبشة يجعلنا نستشعر أن العدل أساس الحكم الرشيد ، الذي هو الوسيلة الوحيدة نحو بقاء الدول و رفاهيتها و أمنها و أمانها ، فكون النجاشي ملك لا يظلم عنده أحد كان كافيا أن ينصح النبي صلى الله عليه و سلم بالهجرة إليه ، فكونه عادل يعني أنه لن يجبرهم على الاعتقاد أو التدين بشيء خارج عن إرادتهم و حريتهم ، و كونه عادل يعني أنه لن يسلمهم بمجرد الوشاية ، و يعني أيضا أنه ينصف من نفسه و ينزل عند الحق إذا تبين له بجلاء .
وقفة الحبشة تعطينا درس العدالة الاجتماعية و كيف يبني العدل الدولة القوية و إن كانت كافرة ، في حين، الظلم يسقط دولا بل و خلافات و إمبراطوريات مهما رفعت من شعارات الدين و التدين .

وقفة الحبشة تجعلنا نفكر في أساسيات الحكم الرشيد و نتساءل عنها ما هي ؟؟ هل هي رفع الرايات الخفاقة المكتوب عليها أسماء الله ، أو كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله و إظهار البهجة و السرور بهذه المظاهر البئيسة الطفولية ، في حين كل مظاهر الظلم و التسلط و القهر و الهشاشة و الاستعباد و الذل تنخر جسم الدولة و تأكلها كالأرضة ؟

لماذا ننظر للدولة على أنها مظاهر الهيبة و العظمة في البنايات و الإدارات و المنشئات و المعمار و الزخارف و الرايات الخفاقة و إظهار عبارات السلطة و الحماسة أو الافتخار بالعدد و العدة و الرقعة و المساحة و عدد المجندين و الخدم و الرعايا ؟؟ الدولة فعلا مؤسسات لكن لإرساء القانون و تحكيم شريعة العدل ، الدولة فعلا منشئات و معمار يخلد اسمها و تاريخها و حضارتها ، لكنه معمار يجد فيه المواطن أمنه و أمانه و حريته و عقيدته و عبادته و حقوقه و مجالا لتأدية الواجبات التي سوف يؤديها حينئذ بحب و انتماء .

إن الفترة التي عاشها الصحابة في الحبشة و عدم تعرضهم للأذى و هم بين أظهر النصارى و تحت سلطانهم يدل دلالة واضحة على مدى هيبة الملك الذي أعطى الأمان ، و على مدى وعي الشعب الذي يحترم القرارات التي يراها يصدرها من يثقون فيه و يحترمونه ، فلولا العدالة الاجتماعية و الأمن الذي يستشعره الناس فيما بينهم ما استطاعوا ان يمنحوه لغيره ممن يدينون بغير دينهم و يعتقدون خلاف عقيدتهم ، فعندما اشعر بالأمن و الأمان ابثه و انشره بكل حب و إيثار ، و عندما أنعم بالعدل اقيمه بين الناس بكل حب .

عن Lisankom

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE
error: Content is protected !!