الرئيسية » آراء » التطرف الجمعوي ، عين على الواقع و الممارسة .

التطرف الجمعوي ، عين على الواقع و الممارسة .

لسانكم :

مصطفى امجكال 

قد يبدو هذا العنوان غريبا شيئا ما بالنظر لارتباط مصطلح التطرف بالمجال الفكري أو الصراع المذهبي الطائفي و ظهور مفهوم الإرهاب،  لكنه كمصطلح لغوي لا ينبغي أن يشكل عائقا كبيرا امام رصد بعض الأفكار و الممارسات الجمعوية ، فهو مصطلح يدل بكل بساطة على الميل إحدى الطرفين مجانبة للاعتدال و التوسط . بهذا المفهوم يصبح العنوان موضوعيا أكثر منه حكم قيمة أو توصيف مسبق عار من أي دراسة أو تجربة ميدانية حقيقية .

نحو تفكيك أكثر. .

حينما نتحدث عن العمل الجمعوي و الأدوار الكبيرة التي أصبح يضطلع بها المجتمع المدني اليوم في المساهمة في بناء مسلسل التنمية الشاملة و الدفع بقاطرة التربية و التكوين و التأطير و بناء السياسات العمومية و تتبعها و وتقييمها. .فإننا نتحدث عن عمل مؤسساتي ضخم ينبني على قاعدة المسؤولية و المواطنة و الديمقراطية كمبادئ نظرية معرفية و على الاحترافية و الإتقان و تنزيل القوانين التنظيمية كمبادئ  عملية تقنية دقيقة. 

إننا حينما نرسل أعيننا على الواقع و الممارسة في الحياة الجمعوية اليوم فإننا نرصد أعطابا كثيرة و اختلالات متعددة تبين بكل وضوح إلى جلاء اننا أمام معضلة ميل خطير نحو طرفي الوسط ، إما تفريط و تقصير أو إفراط و غلو . و هنا يبدأ العنوان في الكشف عن بعض الجزئيات الخفية المختبئة بين كلمتين : التطرف الجمعوي . 

لماذا في كثير من الأحيان تلجأ بعض الجمعيات نحو الإطراف و ليس الوسط ؟

الجواب عن هذا السؤال يقتضي منا اولا و بعدالة غير مخلة الوقوف على الأدوار الدستورية التي يراد للعمل الجمعوي الاضطلاع بها ، و يمكن اجمالها دون سرد الفصول الدستورية المتعلقة بها في النقاط الآتية :

– تنزيل مفهوم الديمقراطية التشاركية من خلال المساهمة في بناء السياسات العمومية و تتبعها و تقييمها و إبداء الملاحظات و الاقتراحات حولها .

– التكوين و التأطير و ذلك عن طريق برمجة أنشطة الدعم و رفع قدرات الشباب في المجالات التي تساهم في خلق فرص الشغل و انشاء المشاريع المذرة للدخل .

هذه فقط بعض الأساسيات التي من المفروض أن يقوم بها المجتمع المدني اليوم و خاصة الجمعيات.

سؤال التطرف الجمعوي …بأي معنى ؟

يمكن رصد هذا التطرف على المستوى الفكري النظري اولا من خلال انقلاب مفهوم العمل الجمعوي عند العديد من الجمعيات من المساهمة إلى المواجهة  ، و هذه نقطة هامة جدا و محورية في موضوعنا هذا : 

اولا : العديد من الجمعيات اليوم تنظر إلى العمل الجمعوي بعين المواجهة و الصراع بدل المساهمة و التعاون ، و يتجلى هذا المشهد واضحا في طعن بعض  الجمعيات في بعضها البعض و التأليب عليها و اختلاق الأكاذيب أحيانا من أجل الضرب في سمعتها لا لشيء إلا للاحتفاظ بالواجهة و الحضوة و ما يليها من المصالح الشخصية و المكاسب المادية و المعنوية . ان هذا يذكرني في كثير من الأحيان بالصراعات الطائفية المذهبية المقيتة التي تستحل كل شيء مقابل بقاء مذهبي و من بعدي الطوفان..

ثانيا : إذا ترفعنا قليلا عن هذا المشهد – و هو موجود بكثرة – و أردنا أن ننتقل نحو الجمعيات العاملة و النشيطة فيمكن رصد أمر آخر يمكن اعتباره إيجابيا من جهة و سلبيا من جهة اخرى ، لكنه يبقى مجانبا للوسط المطلوب و يتطرف نحو جهة الإفراط أو التفريط . 

إننا نتحدث عن ظاهرة ارتهان الجمعوي بين يدي السياسي الشيء الذي يجعل من الفاعل الجمعوي في كثير من الأحيان يريد القيام بدور المنتخب بدل ان يشاركه عبر آليات المنصوص عليها عليها في القوانين التنظيمية الخاصة بالديمقراطية التشاركية. 

إن اختلاط مفهوم العمل الجمعوي بالعمل السياسي و ارتهان الأول للثاني  يعد قاصمة الضهر للعمل المجتمعي المدني الخالص و خاصة عمل الجمعيات ، إذ يصيبه بالعطب و الانحراف و التطرف نحو طرف ليس من اختصاصه،  و هذا أمر راجع في نظري و حسب تجربتي المتواضعة لشيئين : 

1 – أن بعض الجمعيات أنشأتها الأحزاب السياسية لغايات انتخابوية خالصة ، فصار عملها الدؤوب هو السياسة بطرق أو بأخرى و بقالب جمعوي خيري إنساني اجتماعي …

2- عدم استيعاب آليات الديمقراطية التشاركية و القدرة على تفعيلها و تنزيلها مما يجعل بعض الجمعويين يخالون أنفسهم ممثلين للأمة في المجالس المنتخبة .. فيحدث الصراع و يتطرف الفكر و العمل الجمعوي عن مساره الصحيح .

لا يفوتني في هذه النقطة من باب الإنصاف أن أقول ان هذا العمل مهما كان حوله من انتقادات فإنه يمثل تجربة جيدة و مفيدة ، لأن عملية مراكمة التجربة و الخبرة  و التفاعل و النقد الذاتي من شأنها فك الارتباط و التداخل بين الجمعوي و السياسي و تمكن الفاعل الجمعوي من ممارسة حقه في  العمل السياسي أيضا باعتباره حق دستوري لكن في إطار من  التمايز بين الاختصاصات و آليات الاشتغال. 

لا نريد لجمعيات المجتمع المدني أن تخطئ مسار عملها و اختصاصاتها و آليات اشتغالها حتى لا تسقط في التطرف الجمعوية و تجانب الوسط و الاعتدال . ان المجتمع اليوم يحتاج من يلملم شتاته و أركانه،  و هنا يكمن دور العمل الجمعوي.  

فهل ترونه يقوم بهذا الدور فعلا ام يتطرف عنه ؟

عن Lisankom

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Optimization WordPress Plugins & Solutions by W3 EDGE
error: Content is protected !!