آخر الآخبارمقالات

العقل العاطفي من الدفاع إلى الإساءة

لسانكم :

مصطفى أمجكال ،

تاريخ الانسانية حافل بالصراع و التدافع ، إنها ثنائية الخير والشر ، الحق و الباطل . ومع كل هذا الصراع الأبدي كانت ولا تزال الدعوة الربانية إلى التعاون والتعارف من أجل تحقيق الإستخلاف والبناء و عمارة الارض بما ينفع الناس و يحقق كرامة الانسان و بناء الحضارة .
إننا اليوم أمام موجة إسلامية غاضبة على فرنسا بسبب الرسومات المسيئة لمقام النبي الكريم محمد عليه افضل الصلاة و أزكى التسليم ، و إنها غضبة مشروعة من الناحية الإيمانية الوجدانية التي تعبر عن ارتباط الفرد المؤمن بنبي الأمة وخاتم الرسالة الذي أرسله ربه تعالى رحمة للعاملين حين قال { و ما أرسناك إلا رحمة للعالمين } فلا أحد منا يستسيغ أن يمس مقام النبوة بسوء ، كما لا نقبل أن يساء لأي نبي من أنبياء الله تعالى ، لأن مقتضى الايمان بالنبي محمد صلى الله عليه و سلم يلزم تعظيم جميع الأنبياء و المرسلين وعدم التفريق بينهم بنص كتاب الله تعالى { لا نفرق بين أحد من رسله } .

فهل ادرك الغرب اليوم هذه الحقيقة القرآنية و عرفوها حق المعرفة و وصلت إليهم من منابعها الصافية ؟ هل يلعب المسلمون اليوم الأدوار الرئيسية الكفيلة بالتعريف الحقيقي بالدين الاسلامي الوسطي السمح ؟ و نطرح السؤال بصيغة أكثر استفزازا للعقول و المشاعر : هل المسلمون اليوم في مستوى تسويق السلعة الغالية للإسلام التي هي الرحمة و المغفرة و المحبة ؟ و إذا سلمنا أننا مقصرون في حق ديننا فهل يسوغ ذلك للغرب استفزاز مشاعرنا بالسوء و الإساءة لمقدساتنا و نبينا عليه الصلاة و السلام ؟
إن المشاعر و الانفعالات الدينية الغاضبة تصيب العدالة بالعمى و تنحى بالمجتمع نحو الفوضى و طمس الحقيقة ، هذه الحقيقة أسسها فولتير حين كتب رسالته في التسامح و حكى بكل حرقة كيف تداعت الغوغاء في فرنسا الى اتهام جان كلاس بقتل ابنه جان انطوان لأنه ارتد من البروتستانتية الى الكاثوليكية ، و رغم غياب الادلة على ذلك إلا أن المشاعر الدينية كانت سببا في عمى الحقيقة و إعدام أسرة بكاملها وصناعة قديس وهمي ، كل ذلك بحماية القضاء و تحت مظلة الدين و العاطفة .

إن ما يصيب الإنسان اليوم في مقتل هو تغلب العقل العاطفي الوجداني على العقل العلمي المنطقي ، ذلك أن الكثير من الأزمات التي يعيشها المسلمون اليوم عبر العالم ناشئة من فقدان التوازن بين العقل والعاطفة . فإذا كانت العاطفة المنفلتة من زمام العقل تقتل و تصنع الكوارث ، فإن العقل أيضا له انفعالات عاطفية قاتلة ، لأن قراراته الوجدانية تكون معززة و مدعمة بأدلة يراها العقل منطقية في حين هي مجرد أوهام لا قيمة لها.

إن ما نراه اليوم من تحريض على فرنسا العلمانية ، و ما نسمعه من دعوات متعالية لمقاطعة المنتجات و السلع الاستهلاكية الفرنسية ، أو ما نطالعه من صور كاريكاتورية للرئيس الفرنسي ماكرون و زوجته المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي ، كل ذلك من الانفعالات العاطفية و العقلية الانفعالية التي لا تؤسس لمفهوم الرحمة الاسلامية و لا تخدم دعوة الاسلام في شيء .

إننا نؤمن إيمانا خالصا لا شك فيه أن النبي محمد عليه الصلاة و السلام هو نبي الرحمة و العفو و المغفرة و الصفح الجميل ، و أن الله تعالى كفاه المستهزئين ، وأنه تعالى أمره بالصفح الجميل قائلا :{ خذ العفو و أمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } الاعراف 199
و قال تعالى { فبما رحمة من الله لنت لهم و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } ال عمران 159

إننا أمام مدرسة ربانية تمشي على الارض ، مدرسة الاخلاق و الهداية و الرحمة و المغفرة ، إنه في عز الازمة و الأذى يقول ” اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ”
و هنا نطرح فعلا السؤال الجوهري الذي لابد من الجرأة و الصدق في الإجابة عنه : ماذا قدمنا للعالم اليوم من صورة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ؟

إن ما أقدمت عليه جريدة شارلي ابدو الفرنسية من رسوم مسيئة لمقام النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو في تقديري الخاص بمثابة تحريك لبعض الصور النمطية التي كونها الغرب عن الإسلام و المسلمين ، خصوصا في فترات الضعف و الانهزام الذي يعيشه العالمين العربي و الاسلامي على حد سواء. و هنا نسائل أنفسنا كيف ذلك ؟

قد يظن البعض أن الرسوم المسيئة مصدرها ما يراه الرسام من واقع المسلمين فقط ، او ما يطالعه من أخبار عن بؤر التوتر والحروب الطائفية الدينية في بعض الدول ، ثم يعمد إلى رسم صورة عن نبي هؤلاء الطائفيين المجانين ويصوره على أنه سفاح عاشق للدماء و القتل و السبايا من النساء و الغلمان .. إن الامر اعمق بذلك بمراحل ، إنه تتبع للتاريخ و رصد للواقع من جهة ( تاريخ المسلمين وليس حقيقة الاسلام ) ، و بناء على موروث ديني يعتبر من السيرة النبوية و العقيدة و الفقه الاسلامي الذي دأب المسلمون في اصقاع الارض على اجتراره دون تنقيح أو مراجعة من جهة أخرى . بل للأسف الشديد صارت الدعوة إلى مراجعته و إعادة النظر في بعض أفراده من علامات الكفر والزندقة عند طائفة من علمائنا غفر الله لهم .

إننا عندما نعرض بعض النصوص اليوم على اسماع العالم ، فينبغي أن نستحضر في عقولنا أننا في زمن الصورة التي تغني عن مئات الكلمات . ليس من السهل أن تقول قال رسول الله ” أمرت أن اقاتل الناس ..” دون أن تفترض في المتلقي أنه مضطر لرسم صورة ذهنية عن هذا الرجل الذي أمره ربه أن يقاتل الناس .. إنه مثال واحد من عشرات الأمثلة التي يجب النظر فيها و وضعها في ميزان العقل و الحكمة و عرضها على كتاب الله الذي خط صورة واضحة لا غبار عليها { و إنك لعلى خلق عظيم } .

إن العجز عن فك الارتباط بين الكلمات و الصور هو ما يجعلنا لا نقبل ببعض التصرفات التي تصدر عن الاخر، خاصة إذا كان بيننا وبينهم تدافع و صراع قديم . و هنا جواب السؤال الاخير : إذا سلمنا أننا مقصرون في حق ديننا فهل يسوغ ذلك للغرب استفزاز مشاعرنا بالسوء و الإساءة لمقدساتنا و نبينا عليه الصلاة و السلام؟ نقول لا والف لا ، على الدولة الفرنسية اليوم أن ترعى الحرية و العدالة والمساواة كما تدعي في شعاراتها الخالدة ، كما يجب عليها استحضار المواطنة الفرنسية التي يعتبر المسلمون اليوم جزء من نهضتها و تقدمها . فإذا كانت العلمانية ترعي الحقوق فالأولى رعاية الحق في التدين دون مساس أو إساءة ، فإن المساس بالعقائد قد يجر العالم إلى الانهيار الشامل والرجوع إلى الحروب الدينية المقدسة البائدة .

لذلك في عز هذه الازمات ينبغي أن يعلوا صوت العقل والحكمة والنظر في مالات الامور. إنه من السهل جدا رفع الشعارات الحماسية البراقة ، لكن ليست كل العقول تستطيع بناء مشروع دعوي يهدف إلى تجديد علاقة العالم بالإسلام الخالد و تسويق الصورة محمد رحمة للعالمين .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enter Captcha Here : *

Reload Image

زر الذهاب إلى الأعلى