بوصوف يسلط الضوء على قوة الحضور القاري للمملكة المغربية في سياق انعقاد اللجنة العليا المشتركة المغربية-السنغالية

لسانكم: بقلم ذ.عبد الله بوصوف
في سياق إقليمي وإفريقي يتسم بتداخل الرياضة بالسياسة، والعاطفة بالمصلحة، يأتي انعقاد اللجنة العليا المشتركة المغربية-السنغالية ليؤكد عمق العلاقات بين البلدين، وقدرتها على تجاوز لحظات التوتر العابرة، مهما كان مصدرها. فلا شك أن المباراة النهائية لكأس إفريقيا للأمم وما رافقها من شوائب وسلوكات أساءت لصورة كرة القدم الإفريقية، خلّفت جراحًا عاطفية لدى الجماهير، لكنها لم تكن يومًا كافية لزعزعة أسس علاقة استراتيجية ضاربة في عمق التاريخ.
وقد عبّر بلاغ الديوان الملكي بوضوح عن هذه الرؤية المتزنة، حين أشار إلى أن العلاقات، “بمجرد ما تهدأ العواطف”، ستعود إلى مسارها الطبيعي، مع إفريقيا عمومًا والسنغال على وجه الخصوص. وهي عبارة تختزل فلسفة مغربية راسخة في التعاطي مع محيطها الإفريقي: فلسفة تميّز بين الانفعال الظرفي وبين الثوابت الاستراتيجية، وبين حدث رياضي عابر ومسار تاريخي طويل من التعاون والتكامل.
فالمغرب، في تعامله مع إفريقيا، لا ينطلق من منطق ردود الفعل، ولا من حسابات آنية أو مصالح ضيقة، بل يستند إلى مسؤولية تاريخية ودينية وحضارية. وهي مسؤولية تجذّرت عبر قرون من التفاعل الروحي والعلمي والتجاري، خصوصًا مع بلدان غرب إفريقيا، وفي مقدمتها السنغال، حيث لعبت الزوايا والطرق الصوفية، والعلماء والتجار، دورًا محوريًا في نسج روابط الثقة والاحترام المتبادل بين الشعبين.
ومنذ اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس العرش، تم الانتقال بهذه العلاقة من بعدها الرمزي والتاريخي إلى شراكة عملية قائمة على منطق “رابح-رابح”. فقد أرسى جلالته قواعد تعاون جديد مع إفريقيا، يقوم على الاستثمار المنتج، ونقل الخبرة، وبناء القدرات، بدل منطق الاستغلال أو الوصاية. والمغرب، وهو ينفتح اقتصاديًا على السنغال وباقي الدول الإفريقية، يفعل ذلك انطلاقًا من قناعة راسخة بأن تنمية إفريقيا لا يمكن أن تتحقق إلا بسواعد أبنائها، وبتعاون جنوب-جنوب حقيقي وفعّال.
إن انعقاد اللجنة العليا المشتركة ليس مجرد حدث دبلوماسي أو إجراء بروتوكولي، بل هو رسالة سياسية وأخلاقية في الآن ذاته. رسالة مفادها أن العلاقات بين الدول لا تُبنى على نتائج المباريات، ولا تهتز بسبب أخطاء تنظيمية أو تحكيمية، بل تُقاس بمدى قدرتها على الصمود أمام الاختبارات. كما أنها تأكيد على أن المغرب ينظر إلى السنغال كشريك استراتيجي، لا كمنافس ظرفي في ملعب كرة القدم.
في المحصلة، تكشف هذه المحطة عن نضج الرؤية المغربية في إفريقيا، وعن إدراك عميق بأن القارة تحتاج اليوم إلى عقل بارد، وإرادة مشتركة، وشراكات صادقة، أكثر مما تحتاج إلى انفعالات عابرة. وهنا بالضبط، يلتقي المغرب والسنغال، ليس فقط لتجاوز مخلفات مباراة، بل لتجديد العهد على مسار تعاون يخدم الشعبين، ويساهم في بناء إفريقيا قوية، متضامنة، وواثقة في مستقبلها…


