لغة الحرب العالمية تهيمن على خطاب ترامب و تلميح عن تاريخ الحروب من تشرشل إلى بيرل هاربر..

لسانكم : متابعة
لم يكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يومًا متحفظًا بشأن المنظور التاريخي الذي يحكم نظرته للصراعات.
وفي تصريحاته حول حرب إيران، سعى ترامب لتبرير منطق الهجمات المفاجئة فاستخدم -ولو على سبيل المزاح- حادثة بيرل هاربر.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يلجأ فيها إلى لغة الحرب العالمية الثانية والتي دأب إلى تأطير أزمات اليوم بها مثل ترديده لخطاب التحدي والنصر المطلق المرتبط بوينستون تشرشل.
كما امتد هذا التوجه إلى انتقاداته للحلفاء فقد صرح ترامب بأنه “يشعر بخيبة أمل من كير ستارمر” لرفض رئيس الوزراء البريطاني في البداية إرسال حاملات طائرات إلى الشرق الأوسط، قائلا “للأسف، ليس وينستون تشرشل”.
وفي يوم الجمعة الماضي، وصف حلفاء أمريكا في حلف شمال الأطلسي (ناتو) بأنهم “جبناء” لرفضهم المساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز وذلك وفقا لما ذكرته مجلة “نيوزويك” الأمريكية.
وأشارت المجلة إلى أنه في رؤية ترامب للعالم، فإن الأعداء وجوديين، والقوة الحاسمة هي سبيل الأمن وهو ما يفسر سياسته تجاه إيران التي قد تبدو متناقضة، ولكنها، من خلال منظور أربعينيات القرن العشرين، تتبع منطقًا أكثر وضوحًا.
ففي هذا السياق، لا تعد إيران مجرد فاعل إقليمي صعب، بل هي عدو أيديولوجي، أقرب إلى دول المحور منها إلى دولة منافسة تقليدية.
ولطالما أشار ترامب إلى أن عدم مواجهة إيران مبكرًا ينذر بخطر أكبر لاحقًا، وهو منطق يعكس التفكير الاستباقي المرتبط غالبًا بالحرب الشاملة الأمر الذي يساعد في تفسير جاذبية سياسة “الضغط الأقصى” المستمرة فالعقوبات والعزلة الدبلوماسية والتهديدات العسكرية ليست أدوات لتغيير السلوك بل هي أدوات إكراه تهدف إلى إجبار إيران على الاستسلام.
في الوقت نفسه، فإن تركيز ترامب على السرعة والمفاجأة والقوة الساحقة ينبع بشكل طبيعي من هذه النظرة للعالم.
وعندما سأله صحفي ياباني يوم الخميس الماضي عن سبب عدم إبلاغ الولايات المتحدة حلفاءها مسبقًا بأنها على وشك شن غارات على إيران، أجاب ترامب “من يعرف المفاجأة أفضل من اليابان؟ لماذا لم تخبرني عن بيرل هاربر؟” بدت رئيسة الوزراء اليابانية متفاجئة بعض الشيء.
ورغم الجدل الدائر إلا أن استحضار بيرل هاربر يؤكد على الإيمان بالقيمة الاستراتيجية للضربة الأولى القوية وبهذا المعنى، فإن التصعيدات الأخيرة ليست خروجًا عن السياسة السابقة بقدر ما هي استمرار لرؤية راسخة وهي أن النزاعات يجب حلها من خلال عمل حاسم.
لكن هذا النهج لا ينسجم مع الواقع المعاصر فإيران ليست ألمانيا النازية أو اليابان الإمبراطورية، والشرق الأوسط ليس ساحة معركة موحدة فالصراعات الحديثة متفرقة وغير متكافئة، ومقيدة بالترابط السياسي والاقتصادي.
وبالتالي فإن فكرة أن ضربة واحدة حاسمة قادرة على إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بشكل جذري أقل ترجيحًا بكثير مما كانت عليه في عام 1945.
كما صعد ترامب خلافه مع ستارمر باستحضاره لتشرشل، الزعيم البريطاني الشهير في زمن الحرب، ضده معربا عن استيائه من موقف بريطانيا.
يعكس هذا النقد إحباطاً عميقاً في واشنطن إزاء تردد بريطانيا في الانجرار إلى صراع أوسع وقد أصر ستارمر على أن بريطانيا لن يتم جرها إلى حرب شاملة، بل تدفع باتجاه “خطة جماعية قابلة للتطبيق” مع الحلفاء، خاصة فيما يتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز.
لكن ترامب يرى في هذا الحذر ضعفاً ومن خلال مقارنة ستارمر بتشرشل، يصور الموقف على أنه يتطلب قيادة حاسمة في زمن الحرب.
ويعكس هذا الصدام اتساع الفجوة عبر الأطلسي بين مطالبة ترامب بدعم عسكري كامل ونهج ستارمر الأكثر اعتدالاً وتركيزاً على التحالفات.
ولدى ترامب نزعة طويلة الأمد للتقليل من شأن دور الحلفاء في النصر للحرب العالمية الثانية فقال أمام جمهور أوروبي في دافوس في يناير/كانون الثاني لولا الولايات المتحدة، “لكان جميعكم يتحدثون الألمانية… وقليلًا من اليابانية”.
وفي سخرية من احتفالات فرنسا بيوم النصر في أوروبا في مايو/أيار الماضي، قال ترامب مازحًا إن الولايات المتحدة “بذلت جهدًا أكبر للفوز بالحرب”.
ويوحي خطاب ترامب حول النصر الشامل بتغيير النظام، والتحول الاستراتيجي، والقضاء التام على التهديد الإيراني وهو أمر يتطلب التزامات لا يريدها الرئيس الأمريكي مثل احتلال طويل الأمد مما يثير تساؤلات جوهرية حول ما يستلزمه “النصر” فعليًا.
وكانت الحرب العالمية الثانية، قبل كل شيء، حرب تحالفات واعتمد نجاحها على تحالفات متينة وهدف مشترك لكن نهج ترامب النفعي في التحالفات يعقد أي محاولة لتكرار ذلك النموذج ولا يزال الشركاء الرئيسيون حذرين، مترددين في الانجرار إلى صراع لم يساهموا في تشكيله وهو ما يكشف عن نقطة ضعف جوهرية في المقارنة التاريخية بين حرب إيران والحرب العالمية الثانية.
ولا يكمن الخطر في عدم دقة التشبيه فحسب، بل في أنه قد يدفع السياسة الأمريكية نحو نموذج صراع ينتمي إلى قرن مختلف تمامًا.



