الأراضي السلالية في المغرب: صراع البقاء بين الإرث التاريخي وأطماع الترامي

لسانكم :
تُمثل الأراضي السلالية، أو الأراضي الجماعية كما تُعرف في أحيان كثيرة، جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمغرب، حاملةً في طياتها تاريخاً عريقاً من الملكية المشتركة والروابط المجتمعية. هذه الأراضي، التي تعود ملكيتها للجماعات السلالية، ليست مجرد مساحات من التراب، بل هي رمز للهوية والتكافل، ومصدر رزق لمئات الآلاف من المغاربة. ومع ذلك، لا تخلو هذه الأراضي من التحديات الجسيمة، أبرزها محاولات الترامي والاستيلاء غير المشروع، التي تهدد استقرار هذه المنظومة العريقة وتضع حقوق ذوي الحقوق على المحك.
الأراضي السلالية: إرث جماعي وتحديات متجددة
تُعرف الأراضي السلالية بكونها أراضي جماعية تُدار وفقاً لأعراف وتقاليد موروثة، تحت وصاية وزارة الداخلية. تهدف هذه الوصاية إلى ضمان حماية هذه الأراضي وصونها من أي استغلال أو تفويت غير قانوني، والحفاظ على حقوق الجماعة ككل. إلا أن التوسع العمراني، وتزايد الضغط على الأراضي، وضعف بعض آليات الحماية في الماضي، أفسح المجال أمام أطماع بعض الأفراد الذين يسعون للاستيلاء على هذه الأراضي بطرق ملتوية، مستغلين في ذلك أي ثغرة قانونية أو إدارية. هذا التحدي لا يمس فقط الجانب المادي، بل يهدد أيضاً السلم الاجتماعي داخل الجماعات السلالية ويقوض الثقة في المؤسسات.
صرخة استغاثة من العرائش: حماية حق أم تحدي القانون؟
في الآونة الأخيرة، تجلت إحدى هذه التحديات بوضوح في إقليم العرائش، حيث استنجد ذوو الحقوق بالجماعة السلالية أولاد رافع بقيادة سيدي سلامة بوزير الداخلية للتدخل العاجل. يواجه هؤلاء الأفراد محاولة ترامٍ سافرة على قطعة أرض سلالية تبلغ مساحتها 7500 متر مربع، والتي تُعد جزءاً حيوياً من ممتلكات الجماعة. تفاجأ الأهالي بوجود حفار يقوم بتجريف الأرض المجاورة لمسجد الدوار، ليكتشفوا أن الفاعل هو نفس الشخص الذي سبق وأن اشتكوا منه في مناسبة سابقة بخصوص محاولة استيلاء مماثلة.
ادعى الشخص المتهم، في محاولته الأولى، أن ثمانية أشخاص من ذوي الحقوق ينتمون إلى عائلة واحدة قد تنازلوا له عن الأرض بموجب عقد رسمي، مدعياً أنهم كانوا يستغلونها. إلا أن نائب الجماعة السلالية نفى هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً، مؤكداً أن القطعة الأرضية المعنية لم تُستغل من طرف أي شخص منذ زمن طويل. بل على العكس من ذلك، اقترح السلاليون تخصيص هذه الأرض كمقبرة لأموات الدوار، نظراً لامتلاء المقبرة الحالية، مما يبرز الأهمية الاجتماعية والروحية لهذه الأرض بالنسبة لهم.
دور السلطات ووصايتها على الأراضي الجماعية
تُلقي هذه الواقعة الضوء مجدداً على الدور المحوري للسلطات العمومية، وعلى رأسها وزارة الداخلية، في حماية الأراضي السلالية. فبصفتها وصية على هذه الأراضي، تقع على عاتقها مسؤولية التدخل الحاسم والفوري لإرجاع الأمور إلى نصابها، ومنع أي محاولة للاستيلاء غير المشروع. لقد قام نائب الجماعة السلالية بمراسلة ليس فقط وزير الداخلية، بل أيضاً والي جهة طنجة-تطوان-الحسيمة وعامل إقليم العرائش ورئيس دائرة اللوكوس، مطالباً إياهم باتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف هذا الترامي.
إن استجابة السلطات لهذه النداءات ليست مجرد تطبيق للقانون، بل هي تعزيز لمبدأ سيادة القانون وصيانة لحقوق المواطنين. فالتهاون في مثل هذه القضايا قد يشجع آخرين على انتهاك حقوق الملكية الجماعية، مما يؤدي إلى تفكك الروابط الاجتماعية وزعزعة الاستقرار في المناطق القروية. لذا، فإن التدخل السريع والحازم يعد ضرورياً لردع المخالفين وحماية هذا الإرث الثمين.
تعزيز الحماية القانونية والتصدي للانتهاكات
تتطلب حماية الأراضي السلالية مقاربة شاملة لا تقتصر على التدخلات الظرفية، بل تمتد لتشمل تعزيز الإطار القانوني والتنظيمي الخاص بها. يجب أن تكون هناك آليات واضحة وفعالة للتعرف على ذوي الحقوق، وتحديد حدود الأراضي بدقة، وتسجيلها في السجلات العقارية لضمان عدم التلاعب بها. كما أن توعية الجماعات السلالية بحقوقها وواجباتها، وتوفير الدعم القانوني اللازم لهم، يسهم بشكل كبير في تمكينهم من الدفاع عن ممتلكاتهم.
إن التصدي لظاهرة الترامي على الأراضي السلالية يتطلب يقظة مستمرة وتنسيقاً فعالاً بين مختلف المتدخلين، من السلطات المحلية إلى الإدارة المركزية، وصولاً إلى الجماعات السلالية نفسها. فكل تأخير في التعامل مع هذه القضايا قد يؤدي إلى تعقيدها وزيادة صعوبة حلها، مع ما يترتب على ذلك من آثار سلبية على استقرار المجتمعات المحلية وعلى ثقتها في عدالة النظام.
في نهاية المطاف، تظل الأراضي السلالية شاهداً على تاريخ طويل من التعايش والتعاون، وهي مورد حيوي يجب أن يُصان للأجيال القادمة. إن حمايتها ليست مجرد واجب قانوني، بل هي مسؤولية أخلاقية واجتماعية تضمن استمرارية الروابط المجتمعية وتحفظ كرامة ذوي الحقوق. إن اليقظة الجماعية والتزام الدولة بمسؤولياتها الوصائية هما الضمانة الأساسية للحفاظ على هذا الإرث الثمين من أي محاولة للعبث به أو الاستيلاء عليه، لتبقى هذه الأراضي مصدراً للعطاء والخير لأهلها، ومثالاً للملكية المشتركة التي تعزز التضامن والتكافل.



