المغاربة صنعوا نجومهم عبر منصات التواصل… والتلفزة ما زالت تبحث عن المشاهد الضائع
لسانكم : سعيد عيسى المعزوزي
يبدو أن التلفزة الوطنية ما زالت تعتقد أن المواطن المغربي يجلس كل مساء فوق أريكة تعود إلى سنة 1998، ممسكاً بجهاز التحكم، ينتظر بفارغ الصبر برنامجاً يشرح له كيف يجب أن يضحك، ومتى يجب أن يتأثر، ومن يستحق أن يكون نجماً.
إلى أن حدث شيء غير متوقع.
المغاربة قرروا صناعة نجومهم بأنفسهم.
فبينما كانت بعض الإنتاجات التلفزية تعقد الاجتماعات لمناقشة لون ربطة عنق المنشط، كان شاب يحمل هاتفاً رخيصاً يصور فيديو داخل غرفة ضيقة ويحصد في يوم واحد ما لم تحققه بعض البرامج خلال موسم كامل. وبينما كانت لجان الإنتاج تتناقش حول احترام الأعراف والتقاليد والخطوط الحمراء والخطوط الزرقاء والخطوط التي لا يعرف أحد سبب وجودها أصلاً، كان المؤثرون يقتحمون هواتف المغاربة بلا استئذان.
هكذا نشأ عالم جديد.
في هذا العالم، لم يعد النجم يمر عبر الماكياج الاحترافي والاستوديوهات المكيفة والديكورات الباهظة. صار يكفي أن تملك جرأة أكبر من اللازم، أو فكرة أغرب من المعتاد، أو استعداداً لتجاوز الحدود التي كانت تعتبر بالأمس من المحرمات الإعلامية.
المفارقة الساخرة ، أن التلفزة التي كانت تخشى إعطاء المشاهد جرعة زائدة من الجرأة، وجدت نفسها تتركه وحيداً أمام محتوى رقمي يمنحه الجرأة كلها دفعة واحدة، مع إضافات مجانية من الصراخ والفضائح والادعاءات الغريبة والوصفات السحرية والخبراء الذين يظهرون صباحاً كمدربين للتنمية الذاتية ومساءً كمحللين سياسيين.
لقد فهم المؤثرون قاعدة بسيطة جداً: إذا لم تستمع للجمهور، سيصنع جمهوره الخاص. وإذا لم تمنحه بطلاً، سيختار بطله بنفسه.
ولأن المؤثرين أدركوا هذه الحقيقة مبكراً، فقد شكلوا ما يشبه اللوبي الرقمي الكبير. يدعم بعضهم بعضاً، يروجون لبعضهم بعضاً، ويحولون أي اسم جديد إلى ظاهرة في أيام قليلة. أما جزء من المنظومة الفنية التقليدية فبقي ينتظر دعوة من منتج أو قراراً من لجنة أو موافقة من جهة ما، بينما كان القطار قد غادر المحطة منذ سنوات.
النتيجة اليوم ليست مجرد منافسة بين التلفزيون والإنترنت.
النتيجة أن المشاهد المغربي صار يملك سلطة لم يملكها من قبل. هو الذي يمنح الشهرة وهو الذي يسحبها. هو الذي يرفع شخصاً من غرفة نومه إلى ملايين المتابعين، وهو الذي يرسله إلى أرشيف النسيان بضغطة إصبع.
والمثير للسخرية أن بعض النجوم الجدد لا يملكون موهبة استثنائية ولا مشروعاً ثقافياً ولا رسالة إعلامية واضحة. إنهم فقط فهموا خوارزميات الشهرة أسرع من غيرهم.
أما التلفزة فما زالت أحياناً تتعامل مع المشاهد كما لو أنه تلميذ في حصة إجبارية، بينما أصبح هذا المشاهد قادراً على مغادرة القاعة كلها في ثانية واحدة.
إذا استمرت الأمور على هذا المنوال، فقد يأتي يوم تصبح فيه وجوه المؤثرين أكثر حضوراً في الذاكرة الجماعية من وجوه الفنانين والإعلاميين التقليديين. وقد نجد أنفسنا أمام شخصيات معروفة أكثر من بعض الشخصيات التاريخية، تتصدر الشاشات والإعلانات والفضاءات العامة كما تتصدر الوجوه المطبوعة على العملات النقدية العالمية.
وحينها سيصبح من الصعب إقناع الجمهور بأن بطله الورقي مجرد دجال صورة، لأن الصورة نفسها ستكون قد انتصرت، وأصبحت الحقيقة الوحيدة التي يصدقها ملايين المتابعين.
أما التلفزة، فستظل على الأرجح تعقد ندوة جديدة بعنوان: “كيف نسترجع المشاهد المغربي؟”، بينما يكون المشاهد منشغلاً بمشاهدة فيديو جديد بعنوان: “لن تصدقوا ما وقع قبل خمس دقائق!”.



