سلا…المدينة التي تنتظر دورها منذ قرون ” النخبة منشغلة فالثقبة “

لسانكم : بقلم سعيد عيسى المعزوزي
إذا سألك أحدهم عن مدينة سلا، فلا تجب بسرعة.
خذ نفساً عميقاً، وانظر إلى الأفق، ثم قل : “سلا مشروع كبير ما زال قيد الدراسة.”
سلا مدينة غريبة. كلما اقتربت من الرباط اعتقد الناس أنها الرباط ، وكلما ابتعدت عنها تذكرت أنها سلا.
هي المدينة التي تمتلك تاريخاً عظيماً، وموقعاً استراتيجياً، وسكاناً طيبين، وطاقة شبابية هائلة، ثم تجلس بهدوء لتشاهد الآخرين يتحدثون عن إنجازاتهم.
في سلا، لدينا كل شيء.
لدينا البحر.ولدينا النهر. ولدينا المآثر التاريخية.ولدينا المارينا.ولدينا الترامواي.ولدينا الشباب. لكن لدينا أيضاً موهبة وطنية نادرة:
موهبة انتظار المشاريع.
في مدن أخرى يضعون الحجر الأساس للمشاريع.
أما في سلا فنضع الأمل الأساس، ثم ننتظر.
وفي بعض الأحيان ننتظر إلى أن يتحول المشروع نفسه إلى ذكرى، حيث أن أجمل ما في سلا هو أنها مدينة متفائلة.
كل سنة تسمع عن مشاريع كبرى، وكل سنة تكتشف أن المشروع الأكبر هو الإعلان عن المشاريع الكبرى.
أما الشباب السلاوي فقد أصبح خبيراً في لغة البلاغات، يعرف الفرق بين:
“سيتم الإنجاز قريباً.” و”المشروع في مراحله الأخيرة.” و”الملف قيد الدراسة.” و”تمت برمجة المشروع” ، وهي كلها تعني شيئاً واحداً :
عد إلينا بعد سنة.
في سلا، يمكن للمواطن أن يقطع المدينة كلها في نصف ساعة، لكن ملفاً إدارياً واحداً يحتاج أحياناً إلى رحلة أطول من رحلة ابن بطوطة.
أما الجمعيات، فهذه قصة أخرى.
الجمعية في سلا تبدأ بفكرة، ثم تتحول إلى ملف، ثم تتحول إلى مراسلة ، ثم تتحول إلى تذكير بالمراسلة، ثم تتحول إلى استفسار حول مصير المراسلة، ثم تنتهي إلى ذكرى جميلة، ومع ذلك يستمر أصحابها في الابتسام لأنهم تعلموا أن الأمل في سلا مورد متجدد أكثر من الميزانيات.
ورغم كل هذا، تبقى سلا مدينة تستحق الأفضل، ليس لأنها أجمل مدينة في العالم، بل لأنها مدينة نجحت في شيء عجزت عنه مدن كثيرة:
أن تجعل أبناءها ينتقدونها كل يوم، ثم يدافعون عنها أمام الجميع.
فالسلاوي قد يشتكي من الطرق، ويشتكي من الخدمات، ويشتكي من المشاريع، ويشتكي من الانتظار.
لكن إذا جاء غريب ليتحدث عن سلا بسوء، يتحول فوراً إلى محامٍ متطوع عنها، وهذا دليل حب لا دليل غضب. لذلك لا أعتقد أن سلا تحتاج إلى معجزة، هي تحتاج فقط إلى شيء بسيط جداً:
أن تتوقف عن انتظار دورها، لأن مدينة بتاريخ سلا، وسكان سلا، وشباب سلا، لا يليق بها أن تبقى دائماً في قاعة الانتظار.
إلا إذا كانت قاعة الانتظار نفسها قد أصبحت جزءاً من التراث المحلي.
ليست سلا مدينة فقيرة في التاريخ، ولا في الكفاءات، ولا في الأحلام، لكنها مدينة يبدو أنها ما زالت تنتظر دورها في طابور طويل بدأ منذ قرون… بينما ما زال البعض منشغلاً بالثقبة بدل الجدار كله، هذا تاريخ التنمية و ثقة السلاوي فالإنتخابات و اختيار من يمثلهم بين قاعة الانتظار و قاعة الاجتماعات… رحلة مدينة تبحث عن موعد مع نفسها.



