جيراندو ليس المشكلة..بل مرآة لمشكلة أكبر عندما يتحول البث المباشر إلى سلطة موازية
بقلم: سعيد عيسى المعزوزي
من السهل أن نختزل النقاش في شخص واحد، وأن نجعل من جيراندو عنواناً لكل الجدل الدائر على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن الحقيقة أن الرجل، و نحن مختلفين مع كل ما يقدم، ليس سوى وجه من وجوه ظاهرة أكبر وأعمق.
إنها ظاهرة “الإعلام الموازي” الذي وُلد من رحم الوصول الرقمي قبل التواصل المتوقع ، حيث تغذى على أخطاء الإعلام التقليدي، استفاد من عطش الجمهور إلى المعلومة السريعة والمثيرة.
ففي الماضي، كانت صناعة الخبر تمر عبر مؤسسات وقواعد مهنية ومحررين ومسؤولين عن النشر. أما اليوم، فيكفي هاتف ذكي واتصال بالإنترنت وبعض المهارات الخطابية أو استعمال برامج ” تيلي برومبتور ” ليصبح أي شخص مؤسسة إعلامية كاملة.
المشكلة ليست هنا.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الرأي خبراً، والتأويل حقيقة، والشك يقيناً، والإثارة بديلاً عن التحقق.
لقد خلقت المنصات الرقمية اقتصاداً جديداً لا يكافئ الحقيقة دائماً، بل يكافئ ما يجلب الانتباه. وكلما كان المحتوى أكثر إثارة للغضب والخوف والجدل، ارتفعت نسب المشاهدة والتفاعل والأرباح.
لهذا السبب لم تعد بعض القنوات تبحث عن المعلومة بقدر ما تبحث عن الصدمة.
ولم يعد بعض صناع المحتوى يبيعون الأخبار، بل يبيعون الإحساس بالخطر الدائم، في هذا العالم الرقمي الجديد، ليصبح المواطن يعيش أحياناً بين مغربين:
مغرب يراه بعينيه في حياته اليومية، ومغرب آخر يراه على شاشة هاتفه، يبدو وكأنه على حافة الانهيار في كل لحظة.
المفارقة أن كثيراً من أصحاب هذا الخطاب يقدمون أنفسهم باعتبارهم البديل الوحيد للحقيقة، وكأن آلاف الصحافيين والباحثين والخبراء والمؤسسات لا قيمة لهم أمام بث مباشر يمتد لساعات.
لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يُظهر جيراندو؟ ، السؤال هو: لماذا يجد من يستمع إليه ؟
هنا يجب أن نتحلى بالشجاعة، قولا أن جزءاً من المسؤولية لا يتحمله صناع المحتوى هذا، بل تتحمله أيضاً بعض المؤسسات التي ما زالت تتواصل بلغة قديمة في عصر السرعة الرقمية.
عندما يتأخر التوضيح الرسمي، يملأ الفراغ التأويل، وعندما يغيب الشرح، يحضر التضليل و هو ما نفذ عبره المدعو جيراندو و أمثاله .
وعندما يفقد المواطن الثقة في بعض المنابر، يبحث عن بدائل قد تكون أكثر إثارة من الحقيقة نفسها، لذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالمنع ولا بالصراخ ولا بحروب مواقع التواصل، بل تكون بإعلام ذكي ، وصحافة مطورة، ومؤسسات تتواصل بسرعة.
مشكلتنا أننا مع مواطن يمتلك الحد الأدنى من الثقافة الإعلامية التي تمكنه من التمييز بين الخبر والرأي، وبين الحقيقة والإشاعة، لأن عدم الوعي الإعلامي جعل الكثير يتابعون ” جيراندو ” حيث لم يفهموا أن ما يقدمه مجرد رأي و ليس الحقيقة و هو ضرب على الظن .
و حقيقة وجودية أن ” جيراندو ” سيختفي يوماً ما، لكن إذا بقيت الأسباب نفسها، فسيظهر لنا جيراندو آخر، ثم آخر، ثم آخر، لأن المشكلة ليست في الأشخاص، بقدر ما أن المشكلة في الفراغ الذي صنعنانه كإعلاميين سمح لمثل هؤلاء الخونة بالتحول إلى ظواهر.
وحين ننجح في ملء هذا الفراغ بالمعلومة الدقيقة والثقة والمهنية، و إن لم نستطع فالمعلومة المغلفة بالحقيقة المثيرة و الناعمة ، لن يكون لأي ضجيج القدرة على منافسة ما نُقدم.
قطعا ، أن الحقيقة تملكها الدولة بأجهزتها، و إن كنت صحفي فإن واحد على المائة من الحقيقة ما يمكن لي معرفته فكيف لجيراندو خلق جمهوريته الرقمية بنفس أسلوب و سرعة فرح بنت مبارك و هنا يتضح صحة كلامي و حقيقة أن تقديم محتوى يبدأ بإثارة تخراج العينين و السب و القدف يجلِبُ و يُجلَب إلى ما لا يحمد عقباه و إلى نهاية اسم تحت جُرم الخيانة .
مقال غير صالح لمن لم يصل إلى سن الرشد السياسي و الإعلامي بعد !
#جيراندو
#هشام_جيراندو #البث_المباشر #الإعلام_الرقمي #الإعلام_البديل #السوشيال_ميديا #اليوتوب_المغربي #المغرب #الرأي_العام #صناعة_المحتوى #المؤثرون #الفضاء_الرقمي #الأخبار_الزائفة #تحليل_سياسي #إعلام #نقاش_عمومي #المجتمع_المغربي #لسانكم #سعيد_عيسى_المعزوزي




