مجتمع

ليس كل جميل يُروى…لكن بعض الرجال يستحقون أن يُشكروا

لسانكم : سعيد عيسى المعزوزي

هناك أشخاص يمرون في حياتك مرور العابرين، وهناك آخرون يتركون أثرًا لا يمحوه الزمن، ليس لأنهم منحوك مالًا أو منصبًا، بل لأنهم منحوك ثقة في لحظة كان الجميع يشكك فيك.

اليوم أكتب هذه الكلمات لا بصفتي صحفيًا، ولا مديرًا لجريدة “لسانكم”، وإنما بصفتي إنسانًا يحمل في قلبه امتنانًا لرجل كان حاضرًا في محطة مفصلية من حياته.

في أواخر سنة 2017، التقيت بالدكتور عبد الله بوصوف في مكتبه، في فترة لم تكن سهلة بالنسبة إليه، إذ كان جد مشنغل في تنزيل توجيهات ملكية على أرض الواقع ، بالموازات مع حملة استهداف في حقه. يومها، وبعد حديث طويل، اتفقنا على أن أدافع عن الحقيقة كما أراها، وعن مؤسسة مجلس الجالية المغربية بالخارج التي كنت أعتبرها مؤسسة تعني كل مغربي عاش تجربة الهجرة.

لم يكن ذلك اللقاء مجرد لقاء عابر، بل كان بداية علاقة إنسانية ومهنية تركت أثرًا عميقًا في حياتي.

كان بوصوف من أكثر الأشخاص الذين شجعوني على العودة إلى المغرب سنة 2018، بعدما كنت مستقراً بين ألمانيا و أسبانيا. أقنعني بأن الوطن يحتاج إلى أبنائه، وأن النجاح الحقيقي هو أن تُسهم في البناء من الداخل مهما كانت الصعوبات.

كانت مدينة سلا نقطة انطلاق جديدة في حياتي، ومنها بدأت رحلة جديدة مع جريدة “لسانكم”، وهي رحلة لم تكن سهلة أبدًا.

ومن بين النصائح التي لا تزال ترن في أذني إلى اليوم، قوله الدائم و المتكرر باستمرار:

“كن إنسانًا في كل شيء، ولا تجعل العجلة تأخذ منك إنسانيتك”

و هنا أتذكر رشيد العبدي حينما قال لي ذات مرة و أنا في غمرة تقديم شهادة في حق بوصوف : ” خليك قريب ليه و لا تقطع علاقتك بمن آمن بك يوما فإن الإنسان قد ينسى كثيرًا بعض الكلمات، لكنه لا ينسى المواقف التي غيّرت طريقة نظره إلى الحياة.” شكرا العبدي “…

مرّت السنوات، وتغيّرت الظروف، وانتهت بعض التفاهمات التي كانت تجمعنا، لكن ذلك لم يُلغِ حقيقة لا يمكنني إنكارها، وهي أن الأستاذ عبد الله بوصوف كان من الأشخاص الذين لعبوا دورًا مهمًا في استمرار جريدة “لسانكم” في أصعب المراحل التي مرت بها، خاصة عندما كانت التحديات المادية تكاد تعصف بكل شيء.

ولأن الإنصاف قيمة قبل أن يكون موقفًا، فإنني أشهد بما رأيته أنا، لا بما يقوله الناس.

رأيت رجلًا يحمل حبًا صادقًا للمغرب، ورأيت ارتباطًا عميقًا بثوابت المملكة ، ورأيت حرصًا دائمًا على أن يكون النقاش حول الوطن أكبر من الحسابات الضيقة.

قد يختلف الناس معه في الرأي أو في التقدير، وهذا حقهم، لكن من حقي أيضًا أن أكتب شهادتي كما عشتها، وأن أقول إن الرجل كان حاضرًا في محطة لن أنساها ما حييت.

الامتنان لا يعني العصمة، ولا يعني الاتفاق في كل شيء، لكنه يعني الاعتراف بالفضل لأهله.

واليوم، وبعد سنوات من تلك البدايات، أجدني مدينًا بكلمة شكر صادقة.

شكرًا لأنك دفعتني إلى العودة إلى وطني.

شكرًا لأنك منحتني الثقة عندما كنت أبحث عن بداية جديدة.

وشكرًا لأنك وجهتني إلى فهم أن الإنسان، مهما اشتدت عليه المعارك، لا ينبغي أن يفقد إنسانيته.

هذه ليست محاولة لتلميع أحد، ولا دفاعًا عن أحد، وإنما هي شهادة يكتبها رجل اختار أن يكون وفيًا لذاكرته، لأن الأوطان تُبنى بالوفاء كما تُبنى بالعمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى