مجتمع

المجتمع المغربي يكرم بعضه البعض بعد مسار طويل في تحمل أعباء سوء التدبير الحكومي

لسانكم :

في زمن تتسع فيه الفجوة بين تطلعات المواطنين وإمكاناتهم المعيشية، برز مشهد لافت في المجتمع المغربي، عنوانه الأبرز: المواطن أصبح يسند المواطن. ففي الوقت الذي ينتظر فيه الناس حلولاً تخفف من أعباء الحياة اليومية، أصبحت المبادرات التضامنية والجمعيات الخيرية والمحسنون والأسر نفسها تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية الاجتماعية، في صورة تعكس قوة التماسك المجتمعي، لكنها تطرح في المقابل أسئلة عميقة حول واقع التدبير العمومي.

خلال السنوات الأخيرة، لم يعد مستغرباً أن تتصدر حملات جمع التبرعات لعلاج المرضى، أو مبادرات توزيع المحافظ المدرسية، أو قفف رمضان، أو التكفل بالأسر المعوزة، واجهة المشهد الاجتماعي. هذه المبادرات، رغم قيمتها الإنسانية الكبيرة، تكشف أيضاً أن المجتمع بات يسعى إلى سد فراغات كان من المفترض أن تغطيها السياسات العمومية بشكل أكثر فعالية.

ولا يتعلق الأمر فقط بالمساعدات المباشرة، بل أصبح المواطن يساند المواطن في فرص العمل، وفي تمويل المشاريع الصغيرة، وحتى في جمع تكاليف العمليات الجراحية أو الدراسة، وهو ما يعكس ثقافة تضامن راسخة داخل المجتمع المغربي، لكنها في الوقت نفسه تؤشر على حجم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه شريحة واسعة من المواطنين.

ويرى متابعون أن استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وتزايد المطالب الاجتماعية، جعل المجتمع يطور آلياته الخاصة للتكيف، في انتظار حلول أكثر استدامة. غير أن هذا التضامن، مهما بلغت قوته، لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن سياسات تنموية ناجعة تستجيب لانتظارات المواطنين.

لقد أثبت المغاربة في أكثر من مناسبة أن روح التكافل لا تزال حية، وأن المجتمع قادر على احتضان أفراده في الأوقات الصعبة. لكن هذا النجاح الاجتماعي لا ينبغي أن يحجب الحاجة إلى تحسين الحكامة، وتعزيز نجاعة البرامج الاجتماعية، وتوجيه الموارد العمومية نحو أولويات المواطن.

وفي النهاية، يبقى المشهد مؤثراً ومعبراً في آن واحد؛ مجتمع يكرم أبناءه، ويخفف عنهم قسوة الظروف، بعد سنوات من تحمل أعباء معيشية متزايدة. إنها صورة تستحق الإشادة بروح التضامن، كما تستحق في الوقت نفسه فتح نقاش هادئ ومسؤول حول سبل تعزيز فعالية السياسات العمومية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى