لقد مات القارئ…عاش المشاهد !
لسانكم: سعيد عيسى المعزوزي
كنت أعتقد، بسذاجة المثقف التي لم تُشفَ بعد، أن المقال الجيد ينتصر بالحجة، وأن الفكرة العميقة تجد طريقها إلى العقول، وأن القارئ لا يزال كائناً يفتح مقالاً لأنه يبحث عن معرفة، لا عن جرعة دوبامين مجانية.
ثم جاءت الخوارزمية… وأعلنت الحداد على القراءة.
ثمانية عشر عاماً منذ أول مقال أي سنة 2008 وأنا أكتب. أبحث في المصادر، أراجع المراجع، أقلب الفكرة على وجوهها، أزن الكلمة كما يزن الصائغ قطعة ألماس. ثم أضغط زر النشر، لأكتشف أن المقال ينافس اليوم مقطعاً يبدأ بعبارة: “شوف شوف… وقع واحد الحاجة غادي تصدمك ! “
والكارثة أن المقطع ينتصر.
لا لأنه أذكى… بل لأنه أعلى صوتاً.
لقد تغيرت قواعد اللعبة. لم يعد السؤال: ” ماذا تقول ؟ “، بل : ” كم ثانية احتفظت فيها بإصبع المشاهد بعيداً عن زر التمرير ؟ “
أصبحت القيمة تُقاس بسرعة الإثارة، لا بعمق الفكرة.
واليوم، هناك من يستغربني.
كيف للشخص نفسه أن يكتب صباحاً مقالاً يحلل الظواهر الاجتماعية والسياسية بمنهج أكاديمي، ثم يظهر مساءً في فيديو يتحدث بلغة بسيطة، يبتلع نصف الحروف، ويستعير أمثال الشارع، ويبدأ حديثه بسؤال يعرف جوابه قبل أن ينهيه ؟
الجواب بسيط…
لأنني لا أتحدث إلى الإنسان نفسه.
قارئ المقال يريد أن يفهم.
أما مشاهد الفيديو… فهو يريد ألا يشعر بالملل.
فرق شاسع.
القارئ يمنحك عشر دقائق من حياته.
أما المشاهد فيمنحك ثانية واحدة… وإن لم تضع فيها انفجاراً نووياً، أو فضيحة كونية، أو عنواناً يوحي بأن نهاية العالم ستبدأ بعد قليل… فإنه يرحل دون حتى أن يشعر بالذنب.
الخوارزمية لا تكافئ الحكمة.
تكافئ المفاجأة.
ولا تحتفي بالفكرة.
بل تحتفي بمن يصرخ أولاً.
لقد صار لزاماً على صانع المحتوى أن يؤدي رقصة صغيرة في أول الفيديو، أو يرفع حاجبيه بطريقة توحي بأنه اكتشف علاج الشيخوخة، فقط ليحصل على حقه في أن يكمل جملة مفيدة.
أي زمن هذا؟
زمن أصبح فيه اختصار الفكر فضيلة، واختصار الانتباه ضرورة، واختصار الإنسان مشروعاً اقتصادياً ناجحاً.
المضحك المبكي أن بعض الناس يظنون أنني شخصان.
واحد يكتب.
وآخر يتحدث.
ولا يعلمون أنني الشخص نفسه… لكنني مضطر إلى تغيير ملابسي كلما دخلت منصة جديدة.
في المقال أرتدي بدلة اللغة.
وفي الفيديو أرتدي ما تسمح به الخوارزمية.
ليس لأنني أحب ذلك… بل لأن الخوارزمية لا تقرأ الشهادات، ولا تعترف بالتحليل، ولا تمنح الجوائز للأفكار المركبة.
إنها تشبه حكماً دخل المباراة وقد قرر النتيجة قبل صافرة البداية.
لا تسأل: ماذا قلت؟
اسأل: كيف قلتها؟
ولا تسأل: هل الفكرة صحيحة؟
اسأل: هل بدأت بصدمة؟
ولذلك، لم أعد أستغرب أن يقرأ مقالاً متعباً في كتابته بضع مئات، بينما يشاهد فيديو عابر مئات الآلاف.
لقد أصبح الإنسان يستهلك الأفكار كما يستهلك الوجبات السريعة.
يشبع بسرعة…
ويجوع بسرعة…
وينسى بسرعة.
ولعل أكثر ما يثير السخرية أن كثيرين يعلنون يومياً أنهم يكرهون التفاهة… ثم يمنحونها ملايين المشاهدات قبل أن يكتبوا منشوراً طويلاً عن خطورة انتشارها.
إنهم يحاربون الوحش بإطعامه.
أما أنا…
فسأواصل كتابة المقال، لأنني أؤمن أن هناك عقولاً لم تستسلم بعد.
وسأواصل تصوير الفيديو، لأن الوصول إلى الناس لم يعد يمر دائماً عبر باب المكتبة، بل أحياناً عبر نافذة الهاتف.
لكنني لن أكذب على نفسي.
لقد انتصر الفيديو في معركة الانتباه.
أما معركة الوعي… فما زالت مؤجلة.
والمؤسف أن كثيرين يحتفلون بالنصر، دون أن ينتبهوا أن أول الضحايا كان القارئ… والثاني، ربما، الإنسان نفسه.
#الرأي_الساخر
#الرأي_الساخر_من_الرأي_نفسه
#المعزوزي
#LISANKOM
#لقد_مات_القارئ
#عاش_المشاهد
#القراءة
#المقال
#صناعة_المحتوى
#الخوارزميات
#السوشيال_ميديا
#تيك_توك
#فيسبوك
#يوتيوب
#الرأي
#ثقافة
#إعلام
#وعي
#مقال_رأي
#تحليل



