حقيقتنا بين الإعلام المتحرر والإعلام المتحجر…عندما يفضحنا “إعلام الآخرين”
لسانكم : سعيد عيسى المعزوزي
في المغرب، لدينا موهبة استثنائية في إعلان الانتصارات قبل أن تبدأ المعركة، وفي الاحتفال بالمشاريع قبل أن ترى النور، وفي تحويل كل مسؤول إلى بطل خارق، حتى إذا سأل أحدهم عن النتيجة قيل له: “لا تكن سلبيًا، الوطن أولًا”.
أما الصحافة، فقد أصبح جزء منها يعيش على قاعدة بسيطة: إذا كان الخبر يُزعج مسؤولًا، فالأفضل تجاهله، وإذا كان يُحرجه، فمن الحكمة دفنه، وإذا كان يفضح اختلالًا، فربما لا يستحق النشر أصلًا.
والغريب أن المواطن المغربي، عندما يريد معرفة ما يجري في بلده، يجد نفسه أحيانًا يفتح صحيفة إسبانية أو فرنسية أو بريطانية، ليس حبًا في لغاتها، بل لأنها نشرت ما لم يجده في إعلام بلاده.
المفارقة الساخرة أن بعض وسائل الإعلام الأجنبية تُغطي قضايا مغربية بجرأة أكبر مما تفعله بعض المنابر المحلية، فتجد تحقيقًا استقصائيًا، ووثائق، وأسئلة صعبة، بينما يكتفي البعض عندنا بعنوان من قبيل: “كل شيء على ما يرام… انتظروا المزيد من الأخبار السارة.”
لسنا بحاجة إلى صحافة تصفق، لأن التصفيق لا يحاسب، ولا يكشف، ولا يحمي المال العام. ولسنا بحاجة إلى إعلام يرى نصف الحقيقة ويغض الطرف عن نصفها الآخر، لأن الحقيقة لا تُجزأ.

خذوا إسبانيا، على سبيل المثال، وهي أقرب جار للمغرب. هناك، لا أحد فوق النقد الإعلامي. رئيس الحكومة، الوزراء، رؤساء البلديات، الأحزاب، وكل مكلف او مسؤول عن تدبير الشأن العام، تجد الكل تحت عدسة الصحافة. قد تخطئ الصحف، وقد تختلف فيما بينها، لكنها تظل تمارس حقها في السؤال، والتحقيق، وكشف الوقائع.
أما عندنا، ففي أحيان كثيرة يتحول الصحفي إلى موظف للعلاقات العامة، ويصبح المقال بيانًا رسميًا بلغة مختلفة، ويُقاس نجاح المؤسسة الإعلامية بمدى رضا المسؤول عنها، لا بعدد الملفات التي كشفتها ولا بقدرتها على مساءلة أصحاب القرار.
المؤسف أن بعضنا لا يثق في الخبر إلا إذا نقلته صحيفة أجنبية. فإذا نشرته صحيفة مغربية شكك فيه، وإذا أعادت نشره صحيفة إسبانية أو بريطانية، أصبح فجأة “حقيقة مؤكدة”. إنها مفارقة تدعو إلى الضحك… وربما إلى البكاء أيضًا.
الإعلام الحقيقي ليس معارضة دائمة، وليس موالاة دائمة، بل هو سلطة رقابية تنقل الوقائع كما هي، دون تزيين أو تهويل. فالصحفي ليس محاميًا عن السلطة، ولا ناطقًا باسم المعارضة، بل شاهد على العصر، مهمته أن يضع الحقيقة أمام المواطن.
حين يصبح كشف الفساد بطولة، وطرح الأسئلة مخاطرة، والبحث عن الحقيقة مغامرة، فالمشكلة ليست في الصحافة وحدها، بل في البيئة التي تعمل داخلها.
لعلنا لا نحتاج إلى استيراد صحافة من إسبانيا أو غيرها، بل نحتاج إلى استيراد ثقافة تقبل السؤال، وتحترم حق المواطن في المعرفة، وتؤمن بأن الإعلام القوي لا يهدد الدولة، بل يحميها من أخطائها.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يؤرق كل قارئ: هل نريد إعلامًا يُطمئننا بما نحب سماعه… أم إعلامًا يُخبرنا بما يجب أن نعرفه؟ لأن الفرق بين الاثنين هو الفرق بين من ينظر إلى المرآة ليرى الحقيقة، ومن يكتفي بالنظر إلى لوحة جميلة تخفي ما وراءها.
#الإعلام_المغربي #الصحافة #حرية_الصحافة #الإعلام #المغرب #إسبانيا #الرأي #حرية_التعبير #الإعلام_الحر #الصحافة_الاستقصائية #الرأي_العام #مقالات



