المعزوزي يكتب : بين “أزمة الهجرة” في الإعلام الإسباني و”الصمت” في الداخل.. من يروي حكاية شباب المغرب؟

لسانكم :
في الوقت الذي تتصدر فيه أحداث سبتة عناوين الصحف الإسبانية والأوروبية باعتبارها “أزمة هجرة” و”حالة طوارئ”، مع تقارير تتحدث عن قتلى ومفقودين في عرض البحر واستنفار أمني غير مسبوق، يبدو المشهد داخل المغرب مختلفاً إلى حد يثير التساؤل. فالرأي العام ينتظر خطاباً واضحاً يفسر ما وقع، ويجيب عن أسئلة أصبحت تتردد بإلحاح في الشارع.
فما الذي يجعل آلاف الشباب يختارون البحر طريقاً، رغم علمهم بأن نهايته قد تكون الغرق أو الاعتقال أو الترحيل؟ وهل يمكن اختزال ما يحدث في مجرد محاولات للهجرة السرية، أم أن الأمر يعكس أزمة أعمق تتعلق بالأمل، والثقة، وفرص المستقبل؟
لقد تحول البحر، بالنسبة إلى عدد من الشباب، من فضاء للرزق والسياحة إلى آخر محطة يعلقون عليها آمالهم. ولا يبدو أن هؤلاء يبحثون عن مغامرة بقدر ما يحاولون الهروب من واقع يعتبرونه مسدود الأفق، حيث البطالة، وصعوبة الولوج إلى سوق الشغل، وتراجع الإحساس بإمكانية تحسين أوضاعهم داخل الوطن.

وفي المقابل، تواصل وسائل الإعلام الأجنبية تغطية الملف باعتباره أزمة إنسانية وأمنية تمس أوروبا، بينما ينتظر المغاربة نقاشاً داخلياً هادئاً ومسؤولاً يضع الأصبع على جوهر المشكلة: لماذا أصبح هذا الخيار مطروحاً لدى فئة من الشباب؟ وما الذي ينبغي فعله لاستعادة الثقة في المستقبل؟
إن التعامل مع هذا الملف بمنطق الأرقام وحدها لا يكفي. فكل رقم يخفي قصة إنسان، وأسرة تعيش القلق، وحلماً انتهى على الشاطئ أو في عرض البحر. كما أن الاقتصار على المقاربة الأمنية، رغم أهميتها في حفظ النظام وحماية الأرواح، لا يغني عن معالجة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع بعض الشباب إلى التفكير في المغادرة.
اليوم، لا يحتاج المغاربة إلى تبادل الاتهامات بقدر ما يحتاجون إلى مصارحة وطنية مسؤولة، تعترف بحجم التحديات، وتفتح نقاشاً حول السياسات الموجهة للشباب، والتشغيل، والتكوين، والإدماج الاقتصادي. فالأزمات الكبرى لا تُدار بالصمت، بل بالمعلومة، والشفافية، والقرارات التي تعيد للمواطن ثقته في مؤسسات بلده.
وفي النهاية، تبقى الهجرة غير النظامية أكثر من مجرد خبر عابر أو رقم في تقرير رسمي؛ إنها رسالة مؤلمة ينبغي الإصغاء إليها. فحين يشعر الشاب أن مستقبله يمكن أن يُبنى داخل وطنه، سيفضل اليابسة على البحر، والأمل على المجازفة، والبقاء على الرحيل.



