مجرد رأي

المعزوزي : حين تترافع المحاماة عن موكليها..وتترافع الصحافة عن الجميع: «التذييل بالصيغة التنفيذية» يفتح جرحاً قديماً

لماذا تجاهل المعزوزي قانون المحاماة؟ «التذييل بالصيغة التنفيذية» يعيد فتح ملف أحكام الطلاق الأجنبية

لسانكم : س ع م

لماذا اختار صحفي أن يقول: لم أتفاعل مع قانون المحاماة، بعدما خاض معركة طويلة ضد ما اعتبره حيفاً طال آلاف الأسر المغربية المقيمة بالخارج؟

في المغرب، لكل مهنة معاركها.

المحامي يترافع عن موكله، يدافع عن حقوقه، يبحث عن الثغرات القانونية، ويضع النصوص أمام القاضي.

أما الصحفي، فليس له موكل واحد.

موكله هو السؤال.

ولهذا، قد يجد نفسه أحياناً داخل معركة لا تهمه وحده، ولا تملك فيها صحيفته ملفاً قضائياً، ولا أتعاباً، ولا وكالة، وإنما تملك شيئاً واحداً: الكلمة.

ومن هنا يمكن فهم موقف الصحفي سعيد عيسى المعزوزي من النقاش الدائر حول مشروع قانون مهنة المحاماة، حين اختار عدم التفاعل معه، في الوقت الذي يرى فيه أن ملفاً مسَّ، بحسب طرحه، حقوق عدد كبير من مغاربة العالم لم يحظ بالاهتمام نفسه.

القصة تعود إلى ما أصبح متداولاً في بعض الأوساط باسم «التذييل بالصيغة التنفيذية»، خصوصاً في الملفات المرتبطة بأحكام الطلاق الصادرة خارج المملكة، والتي يراد ترتيب آثارها القانونية داخل المغرب.

المسألة، في ظاهرها، تبدو تقنية جداً: حكم صادر في الخارج، ثم إجراءات للاعتراف به وتنفيذه داخل المغرب.

لكن خلف هذه العبارة القانونية الباردة توجد أسر، وآباء وأمهات، وأطفال، ونزاعات حول النفقة والحضانة وآثار الطلاق والحقوق المالية والشخصية.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:

هل يكفي نقل الحكم الأجنبي إلى المغرب حتى يصبح قابلاً للتنفيذ، أم أن الأمر يفترض التحقق بدقة من استيفائه لكل الشروط والضمانات التي تجعل تنفيذه منسجماً مع النظام القانوني المغربي؟

هذا السؤال لم يعد بالنسبة إلى المعزوزي مجرد نقاش قانوني نظري.

فبحسب روايته، اختار الصحفي أن يرفع صوته محذراً مما اعتبره خطراً في التعامل مع بعض الأحكام الأجنبية وكأنها أحكام جاهزة للاستيراد والتنفيذ، دون نقاش موسع حول كل الجوانب التي ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار قبل ترتيب آثارها داخل المملكة.

وهنا تكمن المفارقة الساخرة.

عندما يتحدث المحامي، يسأل الجميع: أين الملف؟

وعندما يتحدث الصحفي، يسأل البعض: أين الصفة؟

لكن الصحافة، في جوهرها، لا تحتاج دائماً إلى وكالة من أحد حتى تطرح سؤالاً عاماً يهم المجتمع.

بل ربما تكون مهمتها تحديداً أن تطرح الأسئلة التي لا تجد طريقها بسهولة إلى قاعات المحاكم.

المحاماة تترافع عن موكل… والصحافة تترافع عن القضية

المعزوزي يقول إنه خاض معركة طويلة في هذا الملف، واعتبر أنه حقق فيها انتصاراً معنوياً، رغم ما يصفه بفشل عدد من المحامين الذين استعان بهم في إيصال القضية إلى النتيجة التي كان ينتظرها.

وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات إيلاماً في القصة:

صحفي يبحث عن محامٍ ليترافع عنه، ثم يجد نفسه مضطراً إلى الترافع بالكلمة عن قضية يرى أنها أكبر من ملفه الشخصي.

وبينما كان يفترض أن تكون القاعة مكاناً للحسم القانوني، تحولت الصحافة بالنسبة إليه إلى مساحة أخرى لطرح السؤال، وإثارة الانتباه، ومساءلة الممارسة القانونية والقضائية.

وهذا لا يعني أن الصحافة تحل محل القضاء، ولا أن المقال الصحفي يمكن أن يعوض عن المساطر القانونية.

لكن الصحافة تستطيع أن تفعل شيئاً مختلفاً:

أن تقول إن هناك مشكلة تستحق أن تُرى.

«التذييل».. حين تصبح العبارة التقنية قضية أسرية

المشكل الذي يثيره هذا الملف لا يتعلق، في جوهره، بمصطلح قانوني فقط.

فـ«التذييل بالصيغة التنفيذية» قد يبدو للقارئ العادي مجرد إجراء إداري أو قضائي، لكنه في الملفات الأسرية قد تكون له نتائج مباشرة على حياة أشخاص حقيقيين.

ولهذا فإن أي نقاش حول تنفيذ أحكام الطلاق الأجنبية في المغرب يستحق، من حيث المبدأ، أن يفتح على أسئلة أكبر:

هل تم احترام حقوق جميع الأطراف؟

هل توفرت ضمانات الدفاع؟

هل الحكم الأجنبي مستوفٍ للشروط القانونية اللازمة للاعتراف به؟

هل توجد تعارضات مع النظام العام المغربي؟

وهل تمت دراسة الآثار التي يمكن أن تنتج عن تنفيذه داخل المملكة؟

هذه ليست أسئلة ضد المحاماة، ولا ضد القضاء.

بل هي أسئلة من أجل العدالة نفسها.

ومن هنا نفهم عبارة: «لم أتفاعل مع قانون المحاماة»

حين يقول صحفي إنه لم يتفاعل مع مشروع قانون المحاماة، لأنه لم يرَ في المقابل تفاعلاً كافياً مع ملف يعتبره مسّ ملايين مغاربة العالم، فهو لا يضع بالضرورة القضيتين في كفة قانونية واحدة.

بل يطرح سؤالاً عن أولويات الاهتمام العام:

لماذا تستنفر المهنة عندما يتعلق الأمر بقانون ينظمها، بينما يمكن أن تمر قضايا تمس أسر مغربية في الخارج دون أن تتحول إلى نقاش مجتمعي واسع؟

وهنا تصبح السخرية أكثر مرارة:

المحامون يخافون على مستقبل مهنتهم… والصحفي يسأل: ومن يترافع على مستقبل المواطن عندما يصبح الحكم الأجنبي هو بداية المشكلة وليس نهايتها؟

الصحافة ليست محامياً.. لكنها تستطيع أن ترفع الصوت

المعزوزي لم يكن، في هذه القصة، بديلاً عن المحامي أو القاضي.

لكنه اختار أن يلعب الدور الذي يعرفه جيداً: إثارة السؤال أمام الرأي العام.

وإذا كان المحامي يملك أدوات المرافعة القانونية، فإن الصحفي يملك أدوات أخرى: التحقيق، التوثيق، المقارنة، كشف التناقضات، وإبقاء الملفات التي يرى أنها مهمة داخل دائرة الضوء.

ولهذا ربما تكون الرسالة الأهم في هذه القصة ليست الدفاع عن شخص، ولا مهاجمة مهنة، وإنما إعادة فتح النقاش حول علاقة المواطن بالقانون، وحول مصير الأحكام الأجنبية عندما تعبر الحدود، وحول ضرورة أن تكون العدالة أكثر من مجرد نقل حكم من ورق إلى ورق.

فالعدالة ليست «نسخاً ولصقاً».

والحكم ليس مجرد وثيقة تعبر الحدود.

وخلف كل صيغة تنفيذية توجد حياة كاملة.

أما الصحافة، فوظيفتها أن تسأل قبل أن يصمت الجميع: من راجع؟ من دقق؟ من استمع؟ ومن سيتحمل النتيجة عندما يتحول ختم قانوني إلى واقع يغير حياة أسرة بأكملها؟

وربما لهذا السبب تحديداً، لا يترافع الصحفي عن موكل واحد.

إنه يترافع عن السؤال. سعيد عيسى المعزوزي

#التذييل_بالصيغة_التنفيذية #مغاربة_العالم #القضاء #المحاماة #الصحافة #الطلاق #الأحكام_الأجنبية #سعيد_المعزوزي #عبد_اللطيف_وهبي #لسانكم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى