تراشق التصريحات وفضح الفظائع كشف للمغاربة صورة من صور حرب العصابات
لسانكم ـ متابعة
لم يعد الصراع الذي تشهده الساحة السياسية مجرد اختلاف في المواقف أو تباين في وجهات النظر، بعدما تحولت التصريحات المتبادلة إلى ما يشبه معركة مفتوحة، عنوانها الأبرز التراشق، كشف المستور، وتبادل الاتهامات الثقيلة.
فمع توالي التصريحات والردود، بدأت تتكشف أمام الرأي العام تفاصيل كانت إلى وقت قريب تدور في الكواليس، لتظهر معها صورة أكثر قسوة عن طبيعة الصراع، حيث لم تعد المعركة تدار فقط بالبرامج والخطابات، وإنما كذلك عبر فضح الممارسات، إسقاط الأقنعة، وتوجيه ضربات سياسية وإعلامية متبادلة.
واللافت أن حدة الخطاب تجاوزت في بعض الحالات حدود المنافسة السياسية التقليدية، لتأخذ شكل مواجهة تشبه، في منطقها وأدواتها، حرب العصابات: ضربات سريعة، ردود مضادة، استهداف لنقاط الضعف، وتسريب أو كشف معطيات في توقيت محسوب لإرباك الخصم وإجباره على الدفاع بدل الهجوم.
وبين تصريح وآخر، وجد المواطن نفسه أمام مشهد سياسي مختلف؛ أسماء تتحدث، وأخرى ترد، وملفات تخرج إلى العلن، ووقائع يتم استحضارها من الماضي لتوظيفها في معارك الحاضر.
الأخطر في هذا المشهد ليس فقط مضمون الاتهامات المتبادلة، وإنما أن اللغة السياسية نفسها بدأت تفقد الكثير من هدوئها، في وقت يفترض فيه أن تكون المؤسسات والأحزاب والفاعلون السياسيون أكثر حرصاً على تقديم خطاب مسؤول، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
ومع كل جولة جديدة من هذا التراشق، تتسع دائرة الأسئلة: هل نحن أمام مجرد صراع سياسي عابر، أم أن ما يجري يعكس عمقاً أكبر للخلافات والصراعات داخل المشهد الحزبي والسياسي؟
فالذي كان يتم تدبيره في الغرف المغلقة بدأ يجد طريقه إلى العلن، والذي كان يُقال همساً أصبح يقال أمام الجميع، فيما تحولت بعض التصريحات إلى ما يشبه قنابل سياسية قادرة على إعادة ترتيب موازين القوة داخل الساحة.
وفي المقابل، فإن كشف ما يوصف بالفظائع أو التجاوزات، مهما كانت الجهة التي تقف وراءه، يطرح مسؤولية أخرى على عاتق الجميع: تقديم الأدلة، احترام القانون، وتمكين المؤسسات المختصة من التحقيق، بدل تحويل الاتهامات إلى مجرد أدوات لتصفية الحسابات السياسية.
المشهد اليوم لا يشبه منافسة انتخابية هادئة بقدر ما يشبه معركة سياسية مفتوحة، كل طرف فيها يحاول حماية مواقعه وكشف نقاط ضعف الطرف الآخر.
وبينما تستمر التصريحات في الاشتعال، يبقى الرأي العام هو الحكم الحقيقي على ما يجري، خصوصاً أن المواطن لم يعد يكتفي بالشعارات، بل أصبح يراقب الأفعال، ويقارن بين الخطاب والممارسة، وينتظر من يقدم الحقيقة كاملة بعيداً عن الحسابات الضيقة.
وفي نهاية المطاف، فإن تراشق التصريحات وفضح الفظائع لم يكشف فقط حجم الخلافات، بل كشف لنا أيضاً صورة من صور حرب العصابات الحقيقية داخل السياسة: معارك لا تُحسم دائماً بالصوت الأعلى، وإنما بالقدرة على المناورة، كشف نقاط الضعف، وامتلاك المعلومة في اللحظة المناسبة.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستتوقف هذه الحرب عند حدود التصريحات، أم أن ما يتم كشفه اليوم ليس سوى بداية لجولات أكثر سخونة؟




